1. بدأ المنبه بالنهيق، ها هو مخلب الساعة يغرز نفسه بقوة على الرقم ستة

بتوقيت ألمانيا…

ومع إنسبال أشعة الشمس الباهتة رفعت رأسي المثقل بالصداع كأنه طبل في بيت دعارة.

قمت وارتديت سترتي التركية الفاخرة.

وأخذت أرتشف فنجان قهوتي وعيناي

تنقب عن جديد في الجريدة اليومية كالعادة منذ أشهر طويلة لم تتناول الصحف غير مأساة المهاجرين العرب الذين غزوا أوروبا أجمعها وفي الأخص ألمانيا وقد خُطَت أوجاعهم في مقدمات الصحف أما نهاية الصحيفة فهي صورة للبحر وهو يطبق في جرفيه ويغمض عينيه ويحتضن طفلا بلا مأوى.

خرجت من شقتي وأنا اتذكر حنين والدي الى وطنه الذي اغترب منه في نهاية القرن الماضي بسبب الحرب الطائفية ، وأتذكر غربته والمآسي التي كانت تخرج مع انينه الدائم.

وصلت إلى عملي أخيرا وصدأ كلام أبي يرن في مسامعي : “آه من الغربة آه أريد أن أتعاطى حفنة من تراب وطني  أريد أن أشرب من عذب عذابه” .

قاطعتني الممرضة : “صباح الخير دكتور أحمد!” .

– صباح النور  هل لدي عمل هذا النهار؟

– عملية بسيطة لمهاجر .

وعدت أقرأ وأنا منهمك في حالة مرضية غريبة وخرجت من إطار العالم المحسوس ، كم أتمنى أن أرى مثل  هذه الحالة .

وفجاءة سمعت صوتٌ زلزل المشفى كله،

الصوت كان مرعبا كأن الأرض أخذت تبكي وتعاتبنا على أفعالنا أو أنه قد نفخ في الصور.

ونطق بصوت أجش مرتبك وغاضب :

فليحضر جميع الاطباء

فلتحضروا جميع الاجهزة بسرعة بسرعة!

حتى أن غرف المرضى لم تسلم من صرير هذا العذاب.

فلتجهز جميع سيارات الإسعاف وتنطلق بأقصى سرعة.

فلتحضروا لجميع العمليات ولتؤجلوا الموجود بأقصى سرعة سحقًا بأقصى سرعة.

على الأطباء الذين يمتلكون سيارات شخصية ان يزودوها بالإسعافات وينطلقوا.

كارثة قد حلت…

أنا..

ركضت

بلا وعي

وبلا تفكير

ولا يزال صرير الصوت يحرق المشفى.

أخذت أرى الناس تتصادم،

وعيونهم أرادت أن تخرج من محجريها بسبب الخوف من الكارثة.

وأصبح المشفى كأنه حلبة ثيران لا أحد يعرف ماذا سيفعل أو ماذا حدث.

ركبت سيارة الإسعاف، انطلق صوت من

أجهزة الإنذار

كأن هذا شاهب الذي فجر عقلي  وطمأنت الجميع.

توجهوا إلى شارع النخيل

حدث هناك انفجار عظيم،

يالصدمة يالكارثة،

هل انا في حلم أم أنِي أهذي بسبب أفكاري؟!

ضربت رأسي بجدار السيارة إلى أن سال دمي عسى أن أفيق من هذا الكابوس أو أخرج من هذه المجزرة

لا لا هذا ليس حلم انها حقيقة مرة…!

لقد حدثت كارثة في الشارع الذي يتشرد فيه المهاجرين العرب الجدد

أمرت في صراخ سائق الإسعاف أن يزيد السرعة.

لكنه رد بصيغة مطمئنة باردة انهم كلاب العرب الافضل لهم ان يموتُوا ولا هذا الذل

حتى أن ساستهم طردوهم من هنا الأفضل أن يموتوا.

لماذا العرب؟ لماذا هكذا

لما أصبحنا الأمة المقتولة.

ضربته بكل ما أملك من قوة على فخذه

ودست بقدمي على محرك السيارة. فأخذت تتهاوى بين يديه ومن خوفه على نفسه سيطر عليها…

أخذت أشعر ان العرب هم أحباء عزرائيل الذين يتلذذ بسلب أرواحهم.

أخيرًا رأينا دخانا أسودًا كأنه خرج من فوهة بركان غاضب.

ألقيت بنفسي كطائر أصابه سهم غادر

وإذ بي أجد الورود الذابلة مرمية على الأرض،

وتغيرت مكونات الهواء فأصبح أوكسجين وثاني اوكسيد الكاربون ودماء العرب .

وإذ بي ارى حلوة من حلوات سوريا بترت ساقها وتتلوى على الرصيف.

وهناك من بعيد رأس غريب لامرأة ضربتها شظيه حتى تكسرت جمجمتها داخل الحجاب، حتى أجسادنا باتت في غربة .

وفي قربي شاب فقد قوائمه الأربعة

ووالده ينادي بلهجة شامية قتلونا” إلى أين نهرب؟ !!:

وولده كأنه  غيمة صيف تساقط بلا فائدة  وهو ينظر لأبيه بنظرة حزينة وقلوبهم تتشارك تلطم ألمًا،

وخضاب لحيته في الأحمر من دماء ضناه.

ركضت نحو عجوز محدوبة الظهر ، إنها كعصى موسى ولكنها فقدت القدرة على شق البحر  تنادي “يمه حميد گوم بعد روحي روحك ” ولم يبقَ من حميد إلا رماده.

أخذت أحمله كشخص ما زال يتنفس ذل الحياة ورميته بسرعة في الإسعافات

إلى أن انتهيت ولم يبقى سوى الجثث

وهذا الشاب السوري ووالده

حملته إلى الإسعاف وصعدت معه، ولده يئن وعينه أصبحت خاملة من الألم

وينطق في تراتيل نحن العرب خير الأمم

هربنا من الموت ظنًا من منا إننا لن نلقاه

ولكن أخطأنا

هربنا من ساسة العرب الذي أصبحوا يسلبون أرواح الناس باسم دين الله.

واخذوا يبيعوها من اجل مؤخرة بارزة

لنعاني من الغربة وتجرعنا كاسات زمهريرها اصبنا كطفل في نهاية الحياة لا نعرف النطق ولا ندل شيئا سوى خارطة الألم

ونطق سحقًا لحكام العرب الذين هجرونا

سحقًا لكل من رضي لهم

سحقًا للدين الذين يتدينون به

سحقًا لكل عربي رضي بأفعالهم

ومات…

غطيته في خرقة نتنة..

وأخذت أتذكر كلام أبي عن الغرب

حينما كان يقول: الغربة

هو أنك لا تجد من يدفنك..

الغربة حينما لا تجد من يفهم كلماتك،

الغربة هي أن تموت كالكلب بلا أحد يصلي عليك.

الغربة هي أن تبكي ولا تجد من يمسح دموعك .

عد إلى بلدك يا بني فالذل في وطنك هو الكرامة

التصنيفات: Uncategorized

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *