في ليلة من ليالي الخريف الممطرة على صوتقطرات المطر العذبة كانت الأسرة ملتفة حول مائدة واحدة
تجمعها مناسبة كبيرة ،،
وبينما كنا نتبادل الحديث ونتنقل في مواضيع عدة وفي الجانب الآخر ترتفع أصوات و ضحكات الأطفال البريئة ،،

تعالت الأصوات وكأنها حفلة عرس صاخبة ،، تنتظر دخول العريس لتستقبله بالأهازيج والرقصات ،،

وعلى صوت هزيمُ الرعدِ ودندنة إيقاع قطرات المطر على الأرضِ
وصل ذلك العريس الذي طال انتظاره سنين عدة وكلنا نتلهف لمعانقته عناق بعد غياب طويل دام لأكثر من سبع سنوات عجاف حصدت فيها زوجته ألم الفراق وحرقة الشوق والعناق ،،

ما أن حطت قدماه على عتبة المنزل حتى بدأت مراسيم الاستقبال
كان أول المستقبلين هو أنا كيف لا أكون أولهم وهو شقيق الروح ومن حملتنا إلى هذه الدنيا هو رحم واحد ..

كانت لحظات سعيدة ممزوجة بدموع الفرح ..

وبعدذلك تكرر المشهد ولكن هذه المرة كانت أقوى من سابقتها عندما ركع على ركبتيه أمام أمي ليقبلها ودموعة تكاد تغرق قدميها ،،

يا الله ما أجمل ذلك الشعور وما أصعب حبس تلك الدموع عندما تحتضن الأم ابنها الأكبر غيبته عنها مرارة الحياة وقسوتها ،،

وأما المشهد الثالث فقررت الانسحاب وعدم حضوره كونه مؤثر جداً وذات خصوصية عالية وحساسة لدرجة كبيرة كيف لا وهو سيلتقي بطفله لأول مرة وزوجته التي كانت تتقدم لاستقباله وعيناها تسيل منها شلالات من الدموع .. نعم هي دموع الفرح
دموع اللقاء بعد الفراق ،،

بعد تلك اللحظات الجميلة المليئة بالكثير من المعاني العظيمة

التم الشمل مجدداً وعدنا جميعاً لنكمل ذلك العرس وليس ككل الأعراس إنه عرس من نوع آخر
أخذنا الحديث كثيراً حينها نظرت في عينيه وكأنها تمتلئ بالكثير من الجراح والآلام ،،
ثم راودني الفضول وسألته عن الغربة ؟ وكيف وجدها. .؟؟

بدأ بإجابة مختصرة وقال:

لايعرف الشوقَ إلا من يكابدهُ
ولا يألم الجرح إلا من بهِ ألمُ

ثم تحدث قائلاً
الغربة هي الطريق الأمثل للاكتئاب؛ هي الحياة الصعبة، الوحدة، والانعزال، الصمت الحاد، الأرق، وإذا رضي عنك قلبك، وتركك كي تنام، يكن نومًا مفرطًا، هي فقدان كل شيء مفرح.

‎الغربة هي أن تحيا بلا روح، وأن تعيش
بلا حياة! أن تكون وحيدًا تمضي في تيه كبير …

، ‎أعلم أن كلماتي مبهمة لمن لم يعش الغربة،
إذن دعني أحاول جاهدًا الإيحاء لك بما
يشعر به كل من دخل بلد الغربة :

كأنك ‎تمشي في طريق لم تمر به من قبل قاصدًا مكانًا ما لأول مرة، واختلط عليك الأمر، وسلكت شارعًا آخر أو قطعت طريقً خاطئًا، وحدث أن أضعت طريقك حينها تقف في تيه من أمرك، تضطر لسؤال الناس اْناس غرباء لهجتهم غير لهجتك وربما لغتهم غير لغتك ينظرون اليك كشخص دخيل على مجتمعهم ثم ويأتي من يدلك من جديد على طريقً خاطئ وتعود مجدداً إلى التخبط والضياع بين تلك الشوارع التي لاتعرف عنها شيئاً
ثم تواصل البحث لمدة طويلة وأنت تسأل الناس
حتى تعود لطريقك الصحيح؛ فتجد من يرشدك في دقائق معدودة…

مهما جمعت من المال وكيفما وصل بِك الحال منالثراء ألا أنه يبقى القلب معلقًا والعقل تائه وكل شيئ ً ناقص ومن المستحيل أن يعوض أويحل بدلاً عنه ولوكنوز الأرض كيف لا وهو الوطن الهوية والانتماء والأهل والأحباب ..

نعم هكذا هي الغربة يا أخي ،،،…

بلادي وإن جارت علي عزيزةً
وأهلي وإن بخلو علي كرامُ ..

التصنيفات: Uncategorized

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *