(1)

السنين تركضُ كفهدٍ صيَّادٍ يطارد فريستَهُ في البريةِ، وأنا الفريسةُ واقِفَةٌ على حواف الذاكرة كغزالٍ جريح لا يقوى على الهروب.!

هنا مرتع صباي، ومنبت أحلامي الوردية. مازال صدى ذلكَ الصوت يعُمَّ المكان، هنا تمامًا قبل عشرين سنة كان يرددها لي “أنتِ عروستي”، أُرد بغضب طفلةٍ ” لا.. أنا لستُ عروسة ” وأكتمُ صوتًا يصيحُ بداخلي ويصرخُ “نعم أنتَ وحدك من أريد”. لم يكن يردعه غضبى، ويعيدها مراراً كلما صادفني ألعب سعيدة مع أطفال الحي، وأحياناً ألوي ذِراعه كمحاولة فاشلة ليعلن إستسلامه. شيء أخر جعلني أجن، وددت لو أبكي، لو أصرخ، وألوي ذِراعيه؛ حين تجاوزني وقالها لرفقيتي، وقفت جامدة كلعبة التجمد. سيئة تلك اللعبة، يحاول أحدهم إستثارتك للكلام أو الضحك أو الغضب وأنت عليك الوقوف جامداً دون حراك أو حتى دون إبتسامة. طوقني بيديه ومسح أدمعى حين أقحمت نفسي بتسلق حائط وأنزلني أرضاً بسلام.

(2)

مرت قليل من السنين، عبيرُ عطرٍ  يعم المكان، وشعر أسود مبعثر على الوجه، لوناً يعكسه السواد وعينين بحجم حبات اللؤلؤ يضيع فيهما أمهر بحار، والتفاتة فاتنة. من أي سماء هويت نحوي؟ أكاد أجزم أن الكرة الأرضية حينها تدور 24مرة في الساعة الواحدة. أشعر بالدوار، قدماي لا تحملاني، قلبي لا يدع لي فرصة للتنفس، وفوق هذا ينتظر  إجابة  “لماذا لم تلقي  التحية؟ ألم اقل لكِ  لا تمري بجانبي  دون تحية؟”. أنا من وقفت  طويلا انتظر قدومك.. في الطريق أذهب وأعود للبيت بحجة نسياني لقلمي ودفتري. أرد  بتلعثم ” عفوا لم أنتبه لك”.

 

وكأي مراهقة ملأتُ عشرات الدفاتر ومازال شعوري به بِكراً. بعد أن أكمل تعليمه وعدة محاولات للحصول على عمل كان لابد من وطني الحبيب أن يلفظه بعيداً، وطن سرق أبي في طفولتي، والآن يبتلع  طفولتي كاملة. كان قد سبقهُ  للغربة أخي الكبير ولحقه أخواني ورفيقة طفولتي مع أسرتها.

تذكرت أمي ووداعها لأبي، والآن الآلاف من النسوة مع أطفالهن يبكون داخلي. حدثت  قلبي كثيراً واتفقنا على أنه لمرة فقط يجب أن يكون شجاعاً ليلقي التحية وأن يلوح للوداع.

مررت بتقاطع شارعنا، كان بجانبه مجموعة من أصدقائه، لم يكن وحيداً ذلك اليوم،  لكن كعادتي تجاهلته، شعرت أنني على أعلى قمة جبل في العالم؛ أنا التي أخاف أن أتسلق حائط. لم يكن يعرف أن ما يربطني به أعمق من أن أطلق عليه “حب”؛ شيء وُلِد مع أول صرختي في الدنيا، وحين أُدْفَن في قبري سيتغذى الدود على جميع جسدي لكن لن يستطع أن يفترس ما يحمله قلبي له.

#أنا-أكتب

 

التصنيفات: Uncategorized

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *